الشيخ محمد بن عمر نووي الجاوي

14

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

أوديتها ، أعد للزناة ، وشربة الخمر ، وشهّاد الزور ، وأكلة الربا ، والعاقّين لوالديهم . إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ أي من اتصف بهذه الأمور الثلاثة : يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ ، أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم ، شَيْئاً ( 60 ) . وتوقّف الأجر على العمل الصالح هو الغالب ، لأنه لا تناط الأحكام إلا بالأعم الأغلب ، ولا تناط بالنادر ، كمن تاب عن كفره ولم يدخل وقت الصلاة ، أو وجد الحيض ، فإنه لا يجب عليه العمل قبل وجود سببه وشرطه ، فلو مات في ذلك الوقت كان من أهل النجاة ، مع أنه لم يصدر عنه عمل صالح ، من صلاة وزكاة وصوم ، وعلى هذا لا يتوقف الأجر على وجود العمل الصالح . جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ ، حال من المفعول أي وهم غائبون عنها لا يرونها ، وإنما آمنوا بها بمجرد الإخبار منه تعالى ، أي وعدهم بها وهم في الدنيا ، ومن في الدنيا لا يشاهدها . إِنَّهُ تعالى أو إن الشأن ، كانَ وَعْدُهُ تعالى ، مَأْتِيًّا ( 61 ) ، أي مفعولا منجزا أي الوعد منه تعالى لا بد من وقوعه فهو وإن كان بأمر غائب ، فكأنه حاصل مشاهد . لا يَسْمَعُونَ فِيها أي الجنة لَغْواً أي فضول كلام لا فائدة فيه إِلَّا سَلاماً من بعضهم على بعض ، أو من الملائكة عليهم . فإن معنى السلام هو الدعاء بالسلامة . فأهل الجنة لا يحتاجون إلى هذا الدعاء لأنهم في دار السلام ، فهذا من فضول الحديث لولا ما فيه من فائدة الإكرام . وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها أي طعامهم في الجنة ، بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) أي لهم رزق واسع ودائم ، فلهم ما يشتهون متى شاءوا ، إذ لا ليل فيها ، ولا بكرة ، ولا عشيّ . وإنما ذكرهما ليرغب كل قوم بما أحبوه ، لأنه لا شيء أحب إلى العرب من الغداء والعشاء ، فوعدهم بذلك . ولذلك ذكر أساور الذهب ، والفضة ، ولباس الحرير ، التي كانت عادة العجم ، والأرائك التي هي الحجال المضروبة على الأسرة وهي كانت من عادة أشراف العرب في اليمن . تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ( 63 ) من الكفر أي هذه الجنة التي عظم شأنها ، نعطيها من أطاعنا عطاء لا يردّ كالميراث الذي يأخذه الوارث فلا يرجع فيه المورث . وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ . قيل : احتبس جبريل عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين سألوه في أمر الروح وأصحاب الكهف ، وذي القرنين ، فقال : « أخبركم غدا » ، ولم يقل : إن شاء اللّه ، حتى شق على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم نزل بعد أيام ، فقال له رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أبطأت علي حتى ساءني ، واشتقت إليك » « 1 » . فقال له جبريل : إني كنت أشوق ، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت ، وإذا حبست احتبست ، فأنزل اللّه تعالى : وَما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ، حكاية قول جبريل أمره اللّه تعالى أن يقوله لمحمد جوابا لسؤاله بقوله : يا جبريل : « ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا » « 2 » والمعنى وما نتنزل من السماء وقتا غبّ وقت إلّا

--> ( 1 ) رواه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ( 7 : 2547 ) ، وعبد الرزاق في المصنف ( 20918 ) . ( 2 ) رواه أحمد في ( م 1 / ص 357 ) ، والحاكم في المستدرك ( 2 : 611 ) ، والطبري في التفسير